د. فاطمة ابوواصل اغبارية
ليس ما يعيشه المجتمع العربي اليوم من فوضى سلوكية، وانفلات أخلاقي، وارتباك قيمي، أمرًا طارئًا أو مفاجئًا. بل هو نتيجة منطقية ومتراكمة لأزمة أعمق تم تجاهلها طويلًا: التفكك الأسري وغياب دور الكبير.
نحن لا نواجه مشكلة أفراد، بل أزمة بنية اجتماعية بدأت من داخل البيت، ثم خرجت إلى الشارع، فالمدرسة، فالمجتمع بأسره.
نسب الطلاق بين الشباب ترتفع بوتيرة مقلقة، لا باعتبارها حلًا اضطراريًا لحالات استثنائية، بل كخيار سهل للهروب من المسؤولية. وفي هذا الانفصال السريع، يُترك الأطفال والمراهقون في المنطقة الرمادية: لا هم أبناء أسرة مستقرة، ولا هم محميون نفسيًا واجتماعيًا.
البيت يتحول إلى مساحة مادية بلا روح، والأبوة والأمومة تختزل في النفقة، بينما يغيب الدور التربوي، والاحتواء العاطفي، والمتابعة الواعية.
النتيجة ليست مجرد معاناة فردية، بل جيل ينمو بلا مرجعية.
جيل يبحث عن ذاته في أماكن خاطئة، ويتلقى قيمه من مصادر مشوشة، ويقع فريسة سهلة للاستغلال العاطفي والفكري والسلوكي. ما يمكن تسميته بـ الضباع العاطفية ليس سوى انعكاس مباشر لفراغ تربوي عميق لم يُملأ في الوقت المناسب.
الأخطر من ذلك، أن المجتمع العربي فقد أحد أعمدته الأساسية: دور الكبير.
ذلك الكبير الذي كان يمثل ميزان الحكمة، وحدود السلوك، والضابط الأخلاقي غير المكتوب. مع غيابه، لم تعد هناك سلطة قيمية داخل الأسرة، ولا مرجعية واضحة تُميّز بين الحرية والفوضى، وبين الانفتاح والانفلات.
وهنا تحديدًا تبدأ الفوضى الاجتماعية، لا في الشارع، بل في غرفة الطفل.
الاقتصاد، وضغوط المعيشة، واللهاث خلف المال، تُستَخدم كثيرًا كمبررات للغياب الأسري، لكنها في حقيقتها ليست سببًا بقدر ما هي ذريعة. فالمجتمعات لا تنهار بسبب الفقر، بل بسبب غياب الوعي التربوي وسوء ترتيب الأولويات.
فالمدرسة لا تعوّض الأسرة، والإعلام لا يُربي، والتكنولوجيا بلا توجيه تصبح أداة هدم لا بناء.
الحل لا يكمن في خطابات أخلاقية عامة، ولا في تحميل جيل الشباب وحده مسؤولية الانهيار. بل يبدأ من إعادة الاعتبار للأسرة بوصفها مؤسسة تربوية، لا مجرد إطار اجتماعي.
من إحياء دور الكبير، وتعزيز الحضور العاطفي للأهل، وبناء توازن حقيقي بين العمل والتربية، وتكريس برامج دعم نفسي وتربوي داخل المدارس والمجتمع. فالتربية ليست ترفًا، بل شرط بقاء.
في الخلاصة، ما نراه اليوم من انفلات في السلوك، وتآكل في القيم، وتصدع في العلاقات الاجتماعية، ليس سوى مرآة لبيوت تفككت، وأدوار غابت، ومسؤوليات أُهملت.
كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته ليست مقولة وعظية، بل قاعدة اجتماعية إن سقطت، سقط معها المجتمع بأكمله.
الاستيقاظ لم يعد خيارًا أخلاقيًا… بل ضرورة وجودية
