يواصل المتحف المصري بميدان التحرير (وسط القاهرة) إبهار زواره عبر عروض متحفية استثنائية تعيد إحياء كنوزه الأثرية النادرة. وفي القاعة 52 بالطابق العلوي، يقدّم المتحف تجربة عرض جديدة بعنوان «الخبيئة: كنوز خفية»، تكشف جوانب مدهشة من تاريخ الملوك والكهنة في مصر القديمة.
ووفق بيان رسمي، يضم المعرض مجموعة مختارة من التوابيت والمقتنيات الجنائزية، من بينها 15 تابوتاً تُعرض لأول مرة أمام الجمهور، ضمن تجربة تسلط الضوء على أسرار الدفن والعقائد الجنائزية، وتجمع قطعاً فريدة من ثلاث خبيئات ملكية وكهنوتية جرى اكتشافها خلال القرن التاسع عشر.
ويركز العرض على مفهوم «الخبيئة» بوصفه وسيلة حفظت كنوزاً ثمينة من الضياع عبر العصور، وصانت تاريخ شخصيات بارزة في الدولة المصرية القديمة، من ملوك وكهنة، داخل سياق ديني وفكري عميق.
ويؤكد عالم الآثار المصرية، الدكتور حسين عبد البصير، أن هذا العرض «يعكس الدور المتجدد للمتحف المصري بالتحرير كمؤسسة ثقافية حيّة، لا تكتفي بالحفظ والصون، بل تسعى إلى إعادة تقديم التراث المصري بروح عصرية قادرة على جذب الجمهور».
ويضيف أن «إتاحة 15 تابوتاً غير معروض من قبل تمثل خطوة مهمة، تثبت أن المتحف لا يزال يزخر بكنوز قادرة على الإبهار رغم تعدد المتاحف الحديثة في مصر».
ويشير عبد البصير إلى أن التوابيت المعروضة «ليست مجرد أوعية جنائزية، بل نصوص بصرية وعقائدية متكاملة، تعكس تصورات المصري القديم للحياة الأخرى، وعلاقته بالآلهة، ومكانة الملوك والكهنة داخل البنية الدينية والاجتماعية للدولة»، مؤكداً أن عرضها يفتح نافذة حقيقية على عالم فكري وروحي بالغ العمق.
ويُعد المتحف المصري بالتحرير، الذي افتتحه الخديو عباس حلمي الثاني عام 1902، واحداً من أقدم المتاحف الأثرية في العالم، ويضم مجموعات نادرة تمتد من عصور ما قبل الأسرات حتى العصرين اليوناني والروماني، من بينها كنوز يويا وتويا، وبسوسينيس الأول، وكنوز تانيس، ولوحة نارمر، وتماثيل ملوك بناة الأهرام: خوفو، وخفرع، ومنكاورع.
ويرى عبد البصير أن هذه العروض الاستثنائية تسهم في تنشيط الحركة الثقافية والسياحية، مؤكداً أن المخازن المتحفية ليست نهاية حياة القطعة الأثرية، بل مرحلة مؤقتة قبل عودتها إلى دورها الأساسي في العرض والتفاعل مع الجمهور، داعياً إلى مبادرات مماثلة تكشف المزيد من الكنوز غير المعروضة، بأسلوب يجمع بين الدقة العلمية والجاذبية البصرية.
وقد لقي المعرض تفاعلاً من الزائرين، حيث علّقت إحدى الزائرات على صفحة المتحف في «فيسبوك» قائلة: «التوابيت غاية في الجمال، لكن نأمل عرض كل تابوت بشكل منفصل وواضح لإبراز تفاصيله».
من جانبه، يرى الآثاري المتخصص في المصريات، أحمد عامر، أن «عرض 15 تابوتاً ومقتنيات جديدة يمثل خطوة مهمة لتعزيز الجذب السياحي للمتحف المصري بالتحرير، خصوصاً بعد نقل مجموعة توت عنخ آمون إلى المتحف المصري الكبير».
وأضاف أن «المتحف لا يزال يضم ثروة أثرية هائلة تحتاج إلى إعادة تقديمها للجمهور، مع تطوير العرض المتحفي بما يواكب التطور التكنولوجي، ليظل المتحف مركز جذب لعشاق الحضارة المصرية من مختلف أنحاء العالم».


