تكشف العلاقة المتوترة بين دونالد ترمب والأوروبيين عن معركة خفية تدور في ميدان اللغة قبل السياسة. فبين رئيس يتقن استخدام الكلمات بوصفها أداة صيد، وقوى أوروبية ورثت مجداً إمبراطورياً لم يعد قائماً إلا في الذاكرة، تتجلى مفارقة القوة والضعف بأوضح صورها.
أوروبا التي تعرف في قرارة نفسها أنها لم تعد عظيمة، لا تزال تتحدث كما لو كانت كذلك، محاولةً ردم هشاشتها بلغةٍ متعالية، غير مدركة أن خصمها يجيد هذه اللعبة أكثر منها.
لم يجد الأوروبيون في مواجهة ترمب سوى اللغة، لكنها كانت سلاحاً محدود الفاعلية. فهم أسرى بروتوكولات لغوية وحسابات دقيقة، بينما يتحدث ترمب بلا قيود، ويكسر المحظورات، ويحوّل كل عبارة إلى أداة ضغط.
لم يتعلم الأوروبيون بعد الدرس الذي تعلّمه فولوديمير زيلينسكي بثمنٍ باهظ، ولم يدركوا المصير الذي انتهى إليه نيكولاس مادورو حين حاول مجاراة ترمب بلغته الخشنة، فخسر المعركة قبل أن تبدأ.
وقف ترمب على منصة دافوس هادئاً، بينما ساد الذهول القاعة، كما وصفت ذلك شبكة «سي إن إن».
لم يكن ذلك هدوءاً عادياً، بل هدوء من يعرف قوته، ويملك زمام اللغة، ويستخدمها بوعي الصياد الذي لا يطلق رصاصته إلا بعد تثبيت الهدف.
يبدأ ترمب دائماً بنبرة رصينة، وما إن يشعر بتحدٍّ حتى يشهر لغته كسلاح، مصوِّباً كلماته بدقة نحو خصمه.
خطابه في دافوس لم يكن سياسياً بقدر ما كان كاشفاً ثقافياً: عرضاً فجّاً للفارق بين من يملك القوة فعلاً، ومن يتوهم امتلاكها.
الأوروبيون جلسوا أسرى كلماتهم، بينما ترك ترمب لغته تفعل فعلها، ساعةً كاملةً من الهيمنة اللفظية التي حبست الأنفاس، إلى أن انتقل للحديث عن الشأن الأميركي الداخلي، فتنفّس بعض الحضور الصعداء وغادروا القاعة.
عندها فقط خفَت صوته، وأنهى خطابه بجملة بدت وداعية، لكنها حملت في طياتها تهديداً مبطّناً: «سأراكم لاحقاً».
لغة ترمب لا تلين إلا أمام من يراه قوياً. وقد ظهر ذلك جلياً في اختلاف نبرته عند حديثه مع الأمير محمد بن سلمان، مقارنة بخشونته مع القادة الأوروبيين. فهو يحترم من يملك القوة، ويزدري من يتظاهر بها. وفي هذا السلوك تتجلى فلسفته البسيطة: العالم لا يُدار بالمجاملات، بل بالخوف والهيبة.
ترمب في تناقضاته يشبه شخصية شكسبيرية خرجت من نص مسرحي إلى واقع السياسة. يعد بإنهاء الحروب، ثم يعلن أن القوة الحقيقية هي أن يخافك الآخرون.
هذا التناقض ليس خللاً، بل جزء من بنائه السردي، ومن علاماته الدالة، كما لو أنه كائن لغوي يعيش على المفارقة، ويتغذى على الصدمة، ويتقن اللعب خارج قواعد البروتوكول.
في النهاية، لا تبدو معركة ترمب مع أوروبا معركة سياسات بقدر ما هي مواجهة لغات: لغة تعرف حدودها وتخشى تجاوزها، ولغة لا تعترف إلا بالقوة.
وما لم تدرك أوروبا أن زمن المجد القديم قد انتهى، وأن مواجهة ترمب لا تكون بالكلمات وحدها، فستظل تحت وطأة لغته الخشنة، تتلقى دروساً قاسية في واقع لم يعد يعترف إلا بالأقوياء.
