في لحظةٍ تتقاطع فيها الأرقام مع الأسئلة الكبرى، وتتحول فيها السياسات العمومية إلى موضوع نقاش يومي، تبرز مفارقة لافتة في البنية الاجتماعية والاقتصادية لموريتانيا: نحو 87% إلى 89% من السكان يقفون خارج دائرتين أساسيتين هما الوظيفة العمومية وبرامج الدعم المباشر، وعلى رأسها “التآزر”.
فوفق المعطيات المتاحة، لا يتجاوز عدد موظفي الدولة حوالي 1.2% من السكان، بينما يغطي برنامج “التآزر” ما بين 10% و12% من المواطنين. وبين هاتين الفئتين، تمتد كتلة بشرية واسعة، تُقدَّر بأكثر من 4.3 إلى 4.4 مليون شخص، لا هي استفادت من زيادات الأجور، ولا هي مدرجة ضمن شبكات الدعم الاجتماعي المباشر.
هذه الفجوة الرقمية ليست مجرد معطى إحصائي، بل تعكس تحديًا بنيويًا في توزيع أثر السياسات الاقتصادية، خاصة في ظرف دولي يتسم بالاضطراب وارتفاع كلفة المعيشة.
وفي خضم هذا السياق، لا يمكن إغفال ما أقدمت عليه السلطات العليا في البلد من خطوات ذات طابع رمزي وعملي في آن واحد، حيث أعلن رئيس الجمهورية وأعضاء الحكومة التنازل عن أجزاء من رواتبهم حتى نهاية العام. وهي بادرة تستحق الإشادة من حيث دلالتها السياسية والأخلاقية، باعتبارها تعكس نوعًا من تقاسم الأعباء في لحظة صعبة.
غير أن هذه الخطوة، على أهميتها، تظل جزءًا من حزمة أوسع من الإجراءات التقشفية التي جرى الحديث عنها في أكثر من مناسبة، والتي استأنس فيها بعض المحللين بما ورد في مقالات سابقة – من بينها ما نُشر في موقع “الفكر” – حول إمكانية ترشيد النفقات العمومية عبر:
تقليص بعض بنود التسيير غير الأساسية
مراجعة امتيازات كبار المسؤولين
ضبط الإنفاق في المؤسسات السيادية
وتحسين كفاءة التحصيل الجبائي دون إثقال كاهل الفئات الهشة
وإذا كانت الحكومة قد اختارت في المقابل رفع أجور بعض العمال، ودعم أسعار الوقود، فإن هذه الإجراءات، مهما كانت أهميتها الاجتماعية، تطرح سؤال الاستدامة، خاصة في ظل توقعات شبه مؤكدة بارتفاع أسعار المواد الأساسية مع بداية تطبيق هذه السياسات، نتيجة تداخل العوامل الخارجية والداخلية.
فهل نحن أمام إجراءات ظرفية مرتبطة بسياق دولي استثنائي، أم أمام تحول أعمق في فلسفة التدخل الاقتصادي للدولة؟
الأكثر إثارة للتساؤل هو ارتباط هذه الإجراءات، بشكل مباشر أو غير مباشر، بالسياق الدولي، خصوصًا الحرب التي ألقت بظلالها على الأسواق العالمية. فهل يمكن أن تتوقف هذه السياسات – أو يعاد النظر فيها – في حال أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نهاية الحرب؟ خاصة ان الانظار تتجه هذا المساء الى البيت الابيض حيث سيلقي ساكنه المتناقض خطابه انام العالم، أم أن الحكومة الموريتانية، التي التزمت بالتبرع بجزء من رواتب أعضاءها وشرعت في زيادات ودعم موجه، قد دخلت بالفعل في مسار يمتد لأشهر قادمة على الأقل، بغض النظر عن تطورات الخارج؟
بين الأرقام الصامتة والقرارات المتحركة، يبقى السؤال الجوهري قائمًا: كيف يمكن توسيع دائرة المستفيدين من السياسات العمومية، بحيث لا تظل الأغلبية خارج حسابات الأثر المباشر؟
ذلك هو التحدي الحقيقي… وما عداه تفاصيل.
بقلم اسماعيل احمد
