. الدستور كلمة فارسية تعني الأصل أو القاعدة أو الأساس أو المرتية،ومعناه حرفيا التأسيس معا.
أما اصطلاحا فهو《مجموعة من القواعد القانونية التي تنظم مؤسسات الدولة وتنطبق على جميع مواطني تلك الدولة أورعاياها》.
ورغم أن الدستور يشكل الوثيقة الأساسية التي تتربع على عرش القوانين وتهيمن عليها وتحدد شكل الدولة ونظام الحكم والعلاقة بين السلطات الثلاثة ،إلا أن ذلك لم يعن يوما ولافي أي سياق تاريخي أو سياسي قديم أو حديث أو معاصر أن الدستور يتمتع بحصانة دائمة تجعله في كله أو بعضه بمنآى عن كل تعديل أو مراجعة أو تغيير،فواضعوا الدستور هم في نهاية المطاف بشر عاديون تحكم عملهم ظروف معينة ويأتي معبرا عن الإتجاهات السائدة،لذلك يجب الإبقاء على إمكانية تغيير الدستور،واحتمالية إدخال تعديلات إلى بعض مواده حسب الحاجات والمستجدات والتطورات،وماتكشف عنه الصيروة السياسية للبلد،والتجارب المتراكمة من نقص هنا أو ضعف هناك.
هل عرف التاريخ دستورا محصنا ضد التغيير؟.
لاتكاد توجد دولة يخلو تاريخها من وقائع تعديل الدستور أو تجميده ،أو حتى إلغائه وإصدار دستور جديد يحل محله.
فالجمهورية الفرنسية،وهي تاريخيا أم الحريات والحقوق أصدرت خمسة عشر دستورا خضع آخرها لستة عشر تعديلا،كان آخرها سنة 2008 وكان يهدف إلى توسيع صلاحيات الرئيس وليس إلى تقليصها،وفي الولايات المتحدة الأمريكية بلغ عدد التعديلات الدستورية سبعاوعشرين تعديلا،أما آلمانيا فقد شهدت مجموع الدساتير التي أقرتها ستين تعديلا كان آخرها 2014,وفي إسبانيا جرى تعديل للدستور سنة 2011 تلاه آخر بعد ذلك،أما البرازيل فقد عرفت ثمانية دساتير منذ 1824 صدر آخرها سنة 1988 ويتم تعديله سنويا منذ سنة 1992,في حين تم تعديل الدستور النرويجي ثلاثا وخمسين مرة كان آخرها 2018,وبالتوجه شرقا نجد أن روسيا بأطوارها التاريخية المختلفة أصدرت ستة دساتير على التوالي :1905- 1918- 1924_1936_1977_1993 خضعت كلها لمامجموعه 45 تعديلا كان آخرها سنة 2014,أما جمهورية الصين الشعبية التي تنافس الولايات المتحدة الآن على المركز الأول ومن المؤكد أنها تحتل المرتبة الثانية عالميا على سلم الإقتصاد فقد أخضعت آخر دستورلها لتعديل سنة 2018 بما يرفع القيود الخاصة بتحديد عدد ولايات الرئيس ونائبه بمأموريتين من خمس سنوات إلى فتح المأموريات أمام الرئيس للترشح عدد مايشاء.
وقد علق الرئيس الصيني جين بينغ على ذلك بقوله(فقط عن طريق التكيف المستمر مع الأوضاع الجديدة يستطيع الدستور أن تكون له حيوية دائمة)،في حين اعتبر رئيس لجنة الشؤون التشريعية أن التعديل الدستوري كان ضروريا وجيدا من أجل استمرار السلام والاستقرار في الصين،وبالعودة إلى غرب أوروبا تطالعنا إيطاليا بثلاثة دساتير خضع آخرها لخمسة عشر تعديلا، جرى أحدثها سنة 2012,والشيء نفسه حدث في هولندا حيث سبعة دساتير أقر آخرها سنة 2008 وخضع للتعديل واحدا وعشرين مرة،وغير بعيد من هولندا في المنطقة الإسكندنافية هناك النرويج التي شهد دستورها 53 تعديلا كان آخرها سنة 2018.
هذ الإستقراء لمسار التغييرات الدستورية الذي يركز على الدول الرائدة في مجال الديمقراطية ومبدأ الفصل بين السلطات وسيادة القانون يبين أنه مامن دستور مهما بلغت درجة إحكامه وكماله فوق التعديل والمراجعة حسب ماتمليه الظروف والمستجدات والتطورات،وأنه ما من فقيه قانوني في أي بلد من بلدان العالم يمكن ان يمنح حصانة مطلقة لبعض مواد الدستور فيجعلها فوق النقد وبالتالي متعالية على المراجعة والتعديل،لم يحدث ذلك قط في أي دولة بمافيها الدول التي تشكل مثالا ومدرسة في مجال الحقوق والحريات واحترام القوانين،فكيف لنا نحن في موريتانيا التي تعتبر تابعة في هذ المسار وليست سابقة أو رائدة أن نشكل استثناء ونمنح قداسة مطلقة لوثيقة قانونية أنتجها أناس عاديون في ظروف معينة وضمن سياقات وعي متغير؟.
تغيير الدستورأو تعديل بعض مواده، حتى لوتضمن من النصوص مايحظر هذ التعديل،قد لايحدث بالضرورة طالما أنه ليس مطلبا أو طالما أنه لم يظهر مايدعو إليه ،لكنه أيضا ليس خطا أحمر أو كسرا لمحرمات أو تحريفا لكتاب مقدس،إنه خيار يمكن اللجوء إليه متى استشعرت الجماعة حاجتها إليه ومتى كان يخدم الغايات الكبرى متمثلة في الديمقراطية نفسها والتنمية وبناء الدولة.
ولعل التجربة الموريتانية في هذ المجال يمكن أن تتحسن وتتطور إذا مااختار الشعب عبر أي من آليات تعديل الدستور مراجعة مواد دستوره الذي وضع وتم إقراره منذ خمس وثلاثين سنة في ظروف وعي وسياقات جرت تحت جسرها مياه غزيرة خاصة المواد التي منحت حصانة قد لاتستحقها مثل تحديد عدد المأموريات بولايتين قصيرتي الأجل.
بقلم: المفتش محمدفال ولد امحمداطفل.
تاريخ التعديلات الدستورية وضرورتها ( مقال رأي )
