كثيرا ما يحتدم النقاش العمومي في موريتانيا كلما أثير موضوع التدريس أو التخاطب الإداري باللغة العربية؛ فسرعانما ينبري فريق يطالب بالعربية ولا شيء سواها، مقابل فريق مناصر للفرنسية وداع لها وإليها، يستجلب جملة من التبريرات يعتقد أنها موضوعية وأكثر إقناعا. فهل يمكن لمكون الفولان الموريتانيين القول إن الفرنسية أقرب إليهم من العربية؟ وهل بالنسبة لمن لا يرون تعريب التعليم والإدارة (عكس ما هو حاصل حاليا ويرفض البعض تغييره) يعد أكثر صوابية ومنعا لجر البلد إلى هوية عربية اقصائية؟
منذ عام 1966، لم يهدأ النقاش حول الهوية اللغوية للبلد، وما زال هذا الموضوع يطرح إشكالا عاما يساهم في تقسيم الموريتانيين إلى فسطاطين؛ يدفع كل منهما بحجج تتسم بالسطحية والديماغوجية، هذه الحجج يمكن تفكيكها إذا طرحنا الأسئلة الصحيحة، وناقشنا هويتنا اللغوية وتوجهات بلدنا الاستراتيجية بعيدا عن الأحكام الجاهزة والمعلبة. يتحدث أغلب الموريتانيين اللهجة الحسانية، وهي لهجة ذات أصول عربية في مجملها، إلا أننا سرعان ما نكتشف في خضم نقاشاتنا الهووية أن الحسانية ليست هي العربية الفصحى وأن الغالبية الساحقة من متكلميها غير متعلمين؛ ما يعني أن العربية لا يمكن القول بأنها لغتهم إلا استعارة، فهذه الأخيرة تحمل كمًا هائلا من المفاهيم النظرية والفكرية، نظرا للحضور القوي للتفكير والتنظير في تاريخها الإسلامي والحضاري الذي تفاعلت مع الحضارات المجاورة لها. وقد مكنها ذلك من تشكيل قاموس ثري وقوة وصفية وخطابية كلغة حية في الثقافة والفكر، فضلا عن أن احتواءها للنصوص الدينية ساعدها على البقاء والتداول في المجال الإسلامي عموما.
على النقيض من هذا الواقع، لا يربط الموريتانيين ولا نظرائهم الأفارقة باللغة الفرنسية إلا تاريخٌ من استعماري فرض لغته في الإدارة بحكم أنه هو من أنشأ هذه الكيانات السياسية الحديثة، وأسس قبل مغادرته منظومة تعليمية مغايرة للمنظومات المحلية، ومكن لمن ترك في أيديهم إدارة مصالحه عبر لغته، ثم تعهدها بالدعم المالي والثقافي والدبلوماسي. فهل يعني ذلك أن اعتماد سياسة لغوية مغايرة لهذا المسار واتخاذ العربية لغة التعليم والإدارة يُعد معاداة للفولان وسلبا لإمكاناتهم في التمدرس والولوج للإدارة؟
إن مُكوِّن الفولان في السياق الموريتاني والمحيط الإقليمي لها تعرف على اللغة العربية أبكر بقرون عن الفرنسية ، وظل يتداولها في حياته العلمية والدينية حتى الثقافية قبل نشوء الدولة الحديثة، ولا تزال آثارها حاضرة في مفردات اللغة البولارية. فهل يعتقد البعض حقا أن الفرنسية أقرب إليه من العربية؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا تكمن في "نعم أو لا" مجردة؛ إنما تتطلب جوابا سياسيا من الدولة كتجسيدا لإرادة مواطنيها المتنوعين والمتعددين، من خلال رؤية صريحة وواضحة تجاههم، ناطقين بالحسانية أو البولارية وغيرهما. حينها سينظر الموريتانيون إلى لغات التعليم والإدارة أيا كان ما يتفقون عليه بطيب خاطر وتقبُّل. لقد انضم إلى موقف حراك الفولان الذي تبنته حركة فلام وغيرها العديد من الشباب النشط ضمن حراك لحراطين خلال العقدين الأخيرين، نظرا لشعورهم بأن طرح المسألة اللغوية يحتوي على تهديد مبطن واستئثار بالسلطة والثقافة من لدن البظان، خاصة حين يُمارَس المَنَّ الديني والعروبي عليهم، مما ولد إحساسا بالتوجس وخوفا من استعمار لغوي جديد.
غير أننا إذا عدنا إلى النقاش العقلاني الذي يروم مصلحة الوطن، سنصل إلى أن اللغة العربية يمكن أن تكون لغة جامعة للموريتانيين في تعدديتهم وتنوعهم، في حين تبقى الفرنسية غنيمة من استعمار لا يزال يمثل قوة اقتصادية وثقافية عالمية، تلقي بظلالها على مستعمراته السابقة. كما أن أمر اللغات الأجنبية متجاوز؛ إذ يمكن الاستغناء عن الفرنسية والانتقال إلى الإنجليزية في مجالات التعليم والإدارة متى ما توفرت الشروط السياسية والجيوسياسية لذلك عبر تعزيز العلاقات مع المجال الأنجلوسكسوني مثلا، أو التمكين للعربية كخيار استراتيجي حاسم متى ما كان رعاتها يمتلكون مؤهلات تفرض توجهاتهم الاستراتيجية خارج نطاق بلدانهم.
وفي هذا الإطار، يجدر بمنظومتنا التعليمية اعتماد اللغة العربية لغة رسمية وأساسية للتعليم ونقل المعرفة للأطفال، مع ضمان إيصال العلوم والمعارف نفسها للأطفال غير الناطقين بالحسانية وبالأساليب والوسائل التربوية الأكثر نجاعة.
كما أن التعاطي المرن مع اللغات الأجنبية في الإدارة قد يكون أمرا مطلوبا بمقتضيات المرحلة دون أن يلغي ذلك هدف ترسيخ اللغة العربية وتطوير اللغات الوطنية المحلية لتكون أداة للسيادة والتواصل الفعال بين مواطنينا لرسم مستقبلهم الجماعي بأيديهم.
أعتقد جازما أن هذا الطرح العقلاني، سيمكننا من الخروج لا محالة من عنق زجاجة صراع لغوي عقيم، وحسم موضوع يُعاد طرحه باستمرار مشكلا حاجزا نفسيا بين أبناء الوطن الواحد، ونتجاوز إلى التنمية الحقيقية التي نتطلع إليها جميعا.
موريتانيا وصراع اللغات: كيف نخرج من عُنق الزجاجة؟/ جعفر عبد الرحمن كاتب سياسي
