تشهد منطقة شرق النيجر، ولا سيما في ولايتي ديفا وزندر، جدلاً واسعاً عقب تقارير تحدثت عن إجراءات تستهدف المواطنين المنتمين إلى المكون العربي، شملت -بحسب روايات متداولة- مطالبتهم بتسليم وثائقهم الثبوتية، والتشكيك في جنسيتهم، مع مخاوف من أن تقود هذه الإجراءات إلى سحب الجنسية أو التهجير القسري.
ومن الصعب الجزم بصحة جميع التفاصيل المتداولة في ظل غياب توضيحات رسمية شاملة من السلطات النيجرية، إلا أن النقاش الدائر يعكس أزمة تتجاوز الجانب الإداري، وتمس قضايا المواطنة والهوية والأمن والاستقرار.
أولاً: السياق الأمني
منذ وصول المجلس العسكري بقيادة عبد الرحمن تشياني إلى السلطة، جعلت السلطات الجديدة الأمن ومكافحة الجماعات المسلحة أولوية قصوى، خاصة في المناطق الحدودية مع نيجيريا وتشاد وليبيا، حيث تنشط جماعات إرهابية وشبكات تهريب عابرة للحدود.
وفي هذا السياق، تميل السلطات إلى تشديد الرقابة على المناطق الصحراوية والقبلية التي تتحرك عبر الحدود التقليدية، وهو ما قد يفسر جانباً من الإجراءات الأمنية، لكنه لا يبرر -إن ثبت- استهداف مكون اجتماعي بأكمله.
ثانياً: هل يتعلق الأمر بالأمن أم بالهوية؟
الروايات التي تداولها ناشطون وممثلون عن عرب النيجر تشير إلى أن الطلبات لم تشمل جميع المواطنين، وإنما اقتصرت على العرب، وهو ما يثير تساؤلات حول طبيعة هذه الإجراءات.
فإذا كانت الدولة تحقق في حالات تسلل أو تزوير وثائق، فإن الأصل أن يكون التحقيق فردياً، يستند إلى أدلة وإجراءات قضائية، لا إلى الانتماء القبلي أو العرقي.
أما إذا تحولت الإجراءات إلى سحب جماعي للوثائق أو التشكيك في مواطنة آلاف الأشخاص دون قرائن فردية، فإن ذلك قد يُنظر إليه باعتباره شكلاً من أشكال العقاب الجماعي، وهو أمر يثير مخاوف قانونية وحقوقية كبيرة.
ثالثاً: البعد التاريخي
يؤكد أبناء المكون العربي أن وجودهم في شرق النيجر يعود إلى قرون، وأن قبائل مثل المحاميد وأولاد سليمان والحساونة والمغاربة استقرت في المنطقة قبل قيام الدولة الحديثة ورسم الحدود الاستعمارية.
وهذه الرواية تتوافق مع حقيقة تاريخية عامة، وهي أن الحدود الحالية في منطقة الساحل قسمت امتدادات قبلية كانت تتحرك بحرية بين ما يعرف اليوم بالنيجر وتشاد وليبيا والسودان.
لكن الامتداد التاريخي وحده لا يحسم قضايا الجنسية الحديثة، التي تخضع للقوانين الوطنية وسجلات الدولة.
رابعاً: لماذا يثير الملف حساسية كبيرة؟
أي تشكيك في وثائق الهوية لا يعني فقط فقدان الجنسية، بل قد يؤدي إلى فقدان حق التعليم والعلاج والعمل والتنقل والتملك، فضلاً عن تعريض السكان لخطر انعدام الجنسية إذا لم تعترف بهم أي دولة أخرى.
ولهذا تنظر المنظمات الحقوقية عادة إلى قضايا سحب الجنسية الجماعي باعتبارها من أخطر الملفات المرتبطة بحقوق الإنسان.
خامساً: الانعكاسات المحتملة
إذا استمرت الأزمة دون معالجة شفافة، فقد تترتب عليها عدة نتائج، منها:
تراجع الثقة بين الدولة والمجتمع المحلي.
ارتفاع التوترات القبلية والإثنية.
تضرر النشاط الرعوي والتجاري في شرق النيجر.
احتمال استغلال الجماعات المسلحة لحالة الاحتقان لتوسيع نفوذها.
زيادة الضغوط الإنسانية إذا تعرضت أسر للنزوح أو فقدان وثائقها.
سادساً: ما المطلوب؟
معالجة مثل هذه الملفات تتطلب توازناً بين الأمن وسيادة القانون. فمن حق الدولة حماية حدودها والتحقق من أي حالات تزوير أو تسلل، لكن ذلك ينبغي أن يتم وفق إجراءات قانونية فردية، مع ضمان حق المتضررين في الطعن وإثبات المواطنة، وتجنب أي تمييز على أساس العرق أو الانتماء القبلي.
كما أن صدور توضيحات رسمية مفصلة من السلطات النيجرية سيسهم في الحد من الشائعات، ويوفر أساساً أوضح لتقييم حقيقة ما يجري.
خلاصة
حتى الآن، تستند معظم المعلومات المتداولة إلى شهادات وتقارير إعلامية وروايات محلية، في حين لم تصدر رواية رسمية مفصلة تؤكد أو تنفي جميع الاتهامات المتعلقة بسحب الجنسية أو الترحيل الجماعي.
لذلك، يمكن القول إن الأزمة -إذا صحت هذه المزاعم- تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة السلطات العسكرية في النيجر على تحقيق التوازن بين مقتضيات الأمن واحترام حقوق المواطنة، لأن أي سياسة يُنظر إليها على أنها تستهدف مكوناً اجتماعياً بأكمله قد تكون لها آثار تتجاوز حدود الملف الأمني، وتمتد إلى السلم الأهلي والاستقرار في منطقة الساحل بأسرها.
