حين كانت الطيور تلجأ إلى النخيل لتغني…/ عبد القادر ولد محمد

في بعض الأيام، لا يسافر الإنسان بالطائرة ولا بالسيارة ولا حتى بالذاكرة وحدها… بل يسافر ببيت شعر.
هذا ما حدث لي اليوم وأنا أعيد قراءة “طلعة” أحمد ولد اج ولد محمد محمود، رحمه الله، تلك الطلعة المسومة التي تبدأ بنداء الطيور القادمة إلى الوادي من كل البلاد، كأنها تعرف الطريق إلى الجمال بالفطرة:
طْيُورْ الْوَادْ ألاّ تنْزَادْ
مَنْ كَلْ ابْلاَدْ اعْلِيهْ ارْحِيلْ
ذَاكْ ادْلِيلْ اعْلَ زَيْنْ الواد
تَوْ اتْلاَحِيگْ اعْلِيهْ الجِّيلْ
وفجأة، وجدتني أغادر ضجيج اليوم إلى زمن آخر… زمن كانت فيه الواحات تتنفس ببطء، وكانت الطيور تلجأ إلى النخيل لكي تغني.
هناك، في وادي الرشيد، كما رآه الشاعر، لا تبدو الطبيعة مجرد مشهد، بل حياة كاملة تنبض بالماء والظل والأصوات الخافتة. طيور فوق الطلح، وأخرى تحت الحناء، وبعضها يستظل بالنخيل قرب الإنسان، بلا خوف ولا نفور:
لَحْمَامْ الفَوْگْ الطَّلْحَايَه
واطْيُورْ اخْرَينْ افْلُوطَايَه
شِ مَنْهُمْ تَحَتْ الْحَنَّايَه
والِّلي مَنهُم تَحْتْ النَّخِيلْ
كنت وأنا أقرأ، أسمع أكثر مما أقرأ. أسمع وشوشة الطيور، وصوت الماء وهو ينساب من الحوض عبر قنوات و يتوزع بعدالة ” الين تشرب كل حفره ماها”
، وأشيلال يميل على فم العين كأنه يعزف لحنا قديما لا يعرفه إلا أهل الواحات:
وشْمَذَاكْ أشَيْلاَلْ إِمِيلْ
اعْلَ فَمْ الْعَيْنْ أُورَايَه
ليَنْ إعُودْ امْن الْحَوْظْ إسِيلْ
أَلْمَ فَژَلْمَژْ سَيْلْ آيَه
ذلك العالم كان بسيطا… لكنه كان ممتلئا بالحياة.
الماء فيه ليس مجرد ماء، بل طمأنينة. والظل ليس مجرد ظل، بل مقام للسكينة.والطيور ليست زينة طبيعية، بل جزء من روح المكان.
كنا نفرح بمواسمها كما يفرح الناس بالأعياد. نعرف “طويرة الفرحة”، وننتظر “المغفل بيشيدي”، ونراقب حمام الكمري وهو يهبط قرب الماء، بينما كنا نركض حول السواقي، والواحة كلها تبدو كأنها تغني.
وربما لهذا السبب ظل أحمد ولد اج، رغم عبوره الواسع إلى عالم الدولة والإدارة والحضارة الحديثة، وفيا لذلك العالم الأهلي العميق. دخل الحداثة من أبوابها الكبرى، لكنه لم يخرج من ظل النخلة، ولم يفقد أذنَه القادرة على سماع موسيقى الماء والطير.
وفي نهاية الطلعة، حين يتذكر الشاعر ذلك “المقيل” وماء الدلو البارد تحت النخيل، لا يبدو كمن يتذكر مكانا فقط، بل كمن يستعيد زمنا كاملا من الصفاء الإنساني:
واللهِ يَذَاكْ الْمَقِيلْ
وامّيّهَا فَدْليوْ افْدَايَه
تَحْتْ انْخَيْلاَتْ ابْذِيكْ الْحِيلْ
أللِّ عنْدِى بَعْدْ أرْوايَه
مَا نَنْساهَانَ مُسْتَحِيلْ
وأنا و اعوذ بالله من انا ،، ايضا
أشعر أن تلك الأيام، مهما ابتعدت، يستحيل أن تُنسى. ..كيف انسى ذكرياتي ؟

https://maurinews.info/arts/92633/