«جنون مصري قديم»… حين يعيد السرد محاكمة التاريخ

في روايته «جنون مصري قديم»، يتعامل الروائي المصري طلال فيصل مع التاريخ بوصفه مادة تخييلية قابلة لإعادة التشكيل، لا مجرد سجل وقائع جامد. فالنص يحوّل المرويات التاريخية إلى نسيج حكائي حي، يطرح أسئلة عميقة حول كتابة التاريخ وحدود موضوعيته، ودور السرد في كشف ما تعجز عنه المدونات الرسمية من خوف وانكسار وعبث إنساني.
تنطلق الرواية من أستاذ تاريخ متقاعد، يحمل الاسم نفسه للمؤلف، يعثر على أوراق لمؤرخ مملوكي مجهول يُدعى «جلال الساعي»، فيقرر تحويلها إلى رواية، في مغامرة وجودية تنقله من صرامة البحث الأكاديمي إلى رحابة الحكاية. ومن خلال هذا التطابق المقصود بين الكاتب والراوي، يدخل النص منطقة ميتاسردية تفكك سلطة المؤرخ، وتحوّل فعل الكتابة ذاته إلى موضوع للرواية.
ولا تستعيد الرواية زمن المماليك بوصفه ماضياً بعيداً، بل تقدّمه نموذجاً لجنون السلطة حين يغدو الحكم لعبة عبثية، كما في مشاهد تنصيب السلاطين الأطفال، لتصبح سيرة «الأشرف برسباي» مدخلاً لمساءلة آليات الحكم والمعرفة معاً.
أسلوبياً، تقوم الرواية على تعدد الأصوات؛ صوت المؤرخ المعاصر للحدث، وصوت الراوي المعاصر الناقد، وأصوات المؤرخين الكبار مثل المقريزي وابن إياس، في تراكب سردي يجعل التاريخ نصاً مفتوحاً قابلاً للتأويل لا حقيقة نهائية. ويقود هذا البناء إلى طرح أسئلة حول العدالة التاريخية: من يُكتب له البقاء في الذاكرة؟ ومن يُمحى؟ ولماذا؟
وتظل «الجنون» الثيمة الجامعة للنص، ليس كحالة فردية، بل كمنطق يحكم السلطة والسياسة، حيث يغدو فقدان الرشد سمة بنيوية للحكم، وتتحول الرواية إلى تأمل سوداوي في علاقة القوة بالعبث، والتاريخ بالسرد.