أبو شجة.. حين يحتاج شاعر الوطن إلى وطنه

في عام 1965، ولد الشيخ ولد محمد ولد ببانه، المعروف شعريا بـ "أبو شجة" ، في الرشيد شمال شرقي موريتانيا، في بيئة بدوية كان القرآن الكريم أول أبواب العلم فيها، وأولى خرائط الروح والمعرفة.
كبر الفتى على بساطة الصحراء واتساعها، وحمل من تلك البيئة شيئا من صفائها وصلابتها وذاكرتها. 

وفي عام 1981، غادر فضاء البادية إلى نواكشوط طلبا للعلم، فالتحق بالتعليم النظامي، قبل أن يحصل على شهادة البكالوريا سنة 1986، ثم شهادة المتريز عام 1990.
لكن الشهادات لم تكن وحدها ما كان يبنيه؛ فقد كان يبني صوتا شعريا شق طريقه من العامية إلى الفصحى، ومن محيطه المحلي إلى فضاءات أوسع، وشارك في مهرجانات شعرية داخل موريتانيا وخارجها، حاملا اسم بلده إلى منصات عربية ودولية.
ولم يتوقف صدى تجربته عند الحدود؛ فقد ترجمت بعض قصائده إلى اللغة السويدية، وأدرجت ضمن كتاب "مختارات من الشعر العربي المعاصر"  الصادر سنة 1990، في محطة تؤكد أن للكلمة الموريتانية، حين يصدق صاحبها، جناحين؛ جناحا يحلق بها في سماء الوطن، وآخر يعبر بها حدود اللغة والجغرافيا.
لم يكن "أبو شجة"  شاعرا عابرا في قافلة الشعر، ولا اسما مر على هامش الذاكرة ثم مضى؛ كان واحدا من الأصوات التي حملت موريتانيا في حقيبة القصيدة، ووضعت اسمها حيث ترفع رايات الثقافة
واليوم، تبدلت الصورة.
الشاعر الذي كان يقطع المسافات بالكلمة، صار المرض يقطع عليه الطريق. 

والرجل الذي حمل اسم بلده إلى المنابر، يجد نفسه اليوم في حاجة إلى من يحمل عنه بعض ثقل الألم.
وهنا لا يعود السؤال عن شاعر مريض فحسب، إنما عن وطم كيف يتذكر أبناءه حين يصفق لهم الجمهور، وكيف يتصرف حين يخفت التصفيق ويعلو أنين المرض؟
أين أبو شجة من عين الدولة؟
ولماذا يبدو أن أبواب الرعاية التي فتحت، في مناسبات مختلفة، أمام شخصيات وطنية أخرى، لا تزال موصدة في وجه شاعر أفنى جانبا من عمره في خدمة الكلمة وتمثيل بلده؟
هل يحتاج أبو شجة إلى أن يبلغ المرض منه مبلغا لا يحتمل حتى تتحرك الجهات المعنية؟ وهل ينبغي للقصيدة أن تتحول إلى مرثية، وللشاعر إلى ذكرى، حتى نكتشف فجأة أنه كان يستحق أن نلتفت إليه؟
ثم ماذا تنتظر الدولة؟
أتنتظر أن يصمت صوته إلى الأبد، فتكثر الكلمات بعد فوات أوانها، وترفع صورته في حفلات التأبين، وتقال فيه عبارات الوفاء التي كان أولى بها وهو يسمعها؟
أبو شجة ما زال هنا، وما زال ينتظر. 

وبين قصيدة كتبها للوطن، ويد ينتظر أن تمتد إليه، يقف سؤال الوفاء عاريا من كل زخرف: هل يتسع الوطن الذي حمله الشاعر في قصائده لشاعر يحمله اليوم المرض؟