ليست كل المواقع التي يصل إليها المسؤولون مجرد مناصب، وليست كل المناصب قادرة على أن تتحول إلى سجل من العمل والإنجاز.
فقيمة المسؤول لا تقاس بالموقع الذي يشغله، بل بما يضيفه إليه، وبقدرته على تحويل المسؤولية إلى أثر، والخبرة إلى مشروع، والحضور إلى عمل مؤسسي قابل للاستمرار.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة تجربة الدكتور محمد ولد أعمر على رأس المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم «الألكسو» باعتبارها واحدة من التجارب التي جسدت حضور الكفاءة الموريتانية في فضاء العمل العربي المشترك، في مرحلة شهد فيها العالم تحولات عميقة في مجالات التربية والثقافة والعلوم.
فالرجل الذي وصل إلى واحدة من أعرق المؤسسات العربية لم يأت إليها من خارج مجالات اختصاصها، ولم تكن تجربته وليدة موقعه الحالي، إنما كانت حصيلة مسيرة طويلة تشكلت بين قاعات الدرس والبحث العلمي وإدارة المؤسسات التعليمية والمسؤوليات الحكومية.
عرف محمد ولد أعمر أستاذا وباحثا، قبل أن يتولى مسؤوليات إدارية وعلمية بارزة، من بينها قيادة المدرسة العليا للتعليم، إحدى المؤسسات التربوية العريقة في موريتانيا، كما أسهم في تأسيس جامعة العلوم الإسلامية بمدينة العيون، في تجربة شكلت محطة مهمة في مسار التعليم الجامعي المتخصص داخل البلاد.
ثم انتقل إلى المسؤولية الحكومية، فتولى حقائب ارتبطت بصورة مباشرة بالتعليم والثقافة وبناء الوعي، من بينها التهذيب الوطني والثقافة والاتصال.
وهكذا، حين انتقل إلى قيادة «الألكسو»، حمل معه تجربة مركبة؛ تجربة الأستاذ الذي يعرف واقع التعليم، والباحث الذي يدرك قيمة المعرفة، والإداري الذي يفهم طبيعة المؤسسات، والوزير الذي خبر صناعة السياسات العمومية.
وقد جاءت قيادته للمنظمة في مرحلة لم يعد فيها التعليم مجرد مدارس ومناهج، ولم تعد الثقافة محصورة في الكتب والمهرجانات، ولم يعد البحث العلمي نشاطاً منفصلاً عن الاقتصاد والتكنولوجيا. كان العالم العربي، مثل بقية العالم، يدخل مرحلة جديدة عنوانها الرقمنة والذكاء الاصطناعي واقتصاد المعرفة، وهو ما فرض على المؤسسات العربية إعادة التفكير في أدوارها وأولوياتها.
وخلال هذه المرحلة، اتسع حضور «الألكسو» في ملفات التعليم الرقمي والبرمجة والذكاء الاصطناعي، بالتوازي مع مواصلة عملها في مجالات اللغة العربية والبحث العلمي والثقافة وحماية التراث.
وكانت جائحة كورونا اختباراً مبكراً لقدرة المنظمة على الاستمرار في ظرف عالمي استثنائي؛ إذ نفذت «الألكسو» خلال سنة 2021 نحو 108 أنشطة من أصل 163 نشاطاً مبرمجاً، بنسبة بلغت 67 في المائة، رغم القيود التي فرضتها الجائحة على القطاعات التربوية والثقافية والعلمية.
ولم تكن أهمية تلك المرحلة في استمرار الأنشطة وحده، بل في أنها سرعت التحول نحو الأدوات الرقمية، ودفعت إلى التفكير بصورة أوسع في مستقبل التعليم العربي.
ومن أبرز ملامح هذه المرحلة أيضاً توسع الاهتمام بالبرمجة والذكاء الاصطناعي بوصفهما من مهارات المستقبل. وتقدم تجربة الأسبوع العربي للبرمجة مؤشراً واضحاً على حجم هذا التحول؛ فقد انتقلت المبادرة من مشاركة تجاوزت 200 ألف طالب في دورتها الأولى سنة 2021 إلى أكثر من مليوني مشارك سنة 2022، ثم نحو 2.9 مليون طالب سنة 2023، قبل أن تقارب 3 ملايين مشارك من 19 دولة عربية سنة 2024، مع تسجيل أكثر من 50 ألف نشاط ومشروع على منصتها.
واستمر هذا المنحى التصاعدي، إذ سجلت الدورة الخامسة من الأسبوع العربي للبرمجة، التي اختتمت في يونيو 2026، مشاركة تجاوزت ثلاثة ملايين طالب وطالبة من 18 دولة عربية، وتنافس أكثر من 60 ألف مشروع ابتكاري، تحت شعار «الذكاء الاصطناعي والبرمجة في خدمة الثقافة العربية».
ولا تكمن أهمية هذه الأرقام في حجم المشاركة وحده، بل فيما تعكسه من انتقال العمل العربي المشترك من الإطار المؤسسي التقليدي إلى الوصول المباشر إلى ملايين الطلاب والمعلمين والشباب، وربطهم بالبرمجة والابتكار والذكاء الاصطناعي.
وفي قلب هذا التحول بقيت اللغة العربية حاضرة بوصفها إحدى القضايا المركزية للمنظمة، لكن التحدي لم يعد يقتصر على الاحتفاء بمكانتها التاريخية والحضارية، بل أصبح مرتبطاً بقدرتها على الحضور في البيئة الرقمية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
ولهذا اتجهت «الألكسو» إلى ربط اللغة العربية بالتكنولوجيا الحديثة، وهو ما ظهر بوضوح في دورات الأسبوع العربي للبرمجة، وفي التعاون مع مؤسسات متخصصة، من بينها مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، في مبادرات هدفت إلى توظيف التقنيات الحديثة في خدمة العربية وتعزيز حضورها في التطبيقات الذكية. وقد شارك نحو ثلاثة ملايين متسابق في مسابقة «الذكاء الاصطناعي في خدمة اللغة العربية»، بما يعكس اتساع الاهتمام العربي بهذا المسار.
وهنا تظهر إحدى أهم دلالات المرحلة التي قادها محمد ولد أعمر: الانتقال من التعامل مع اللغة العربية باعتبارها قضية ماضٍ وتراث فقط، إلى التعامل معها باعتبارها أيضاً قضية مستقبل ومعرفة وتكنولوجيا.
كما اتجهت المنظمة خلال السنوات الماضية إلى توسيع دائرة تعاونها وشراكاتها مع المؤسسات العربية والإقليمية والدولية، إدراكاً بأن التحديات الجديدة لا يمكن التعامل معها داخل الحدود الوطنية وحدها. فالمعرفة اليوم عابرة للحدود، والتكنولوجيا عالمية، والذكاء الاصطناعي يفرض تعاوناً واسعاً بين المؤسسات والدول.
وإذا كان من الصعب اختزال حصيلة مؤسسة عربية بحجم «الألكسو» في عدد من المبادرات أو الأرقام، فإن ما يميز السنوات الأخيرة هو وضوح الاتجاه العام: مؤسسة تحافظ على رسالتها التاريخية في التربية والثقافة والعلوم، لكنها تحاول في الوقت نفسه أن تجد مكانها داخل عالم جديد تقوده المعرفة الرقمية والذكاء الاصطناعي.
ولا يمكن فصل هذه التجربة عن بعدها الموريتاني. فوجود كفاءة موريتانية على رأس واحدة من أهم مؤسسات العمل العربي المشترك يمثل وجهاً من وجوه الحضور الوطني في فضاءات التأثير الإقليمي والدولي.
فالدبلوماسية الحديثة لا تُختزل في السفارات والبيانات والاجتماعات السياسية، بل تشمل أيضاً حضور العقول والخبرات الوطنية في المؤسسات التي تصنع السياسات وتؤثر في مستقبل الشعوب.
ومن هذه الزاوية، فإن تجربة محمد ولد أعمر تمثل نجاحاً للكفاءة الموريتانية بقدر ما تمثل نجاحاً شخصياً. لقد بدأ مسيرته في مؤسسات التعليم الوطنية، وانتقل إلى إدارة المؤسسات العلمية، ثم إلى الحكومة، قبل أن يقود مؤسسة عربية تمتد مجالات عملها عبر العالم العربي من المحيط إلى الخليج.
وبين المدرسة والجامعة والوزارة و«الألكسو»، ظل خيط واحد يجمع مختلف محطات مسيرته: التعليم والمعرفة والثقافة وبناء الإنسان.
ومع اقتراب الاستحقاق المرتقب في نوفمبر المقبل، تصبح الحصيلة هي المعيار الأهم في النظر إلى مستقبل التجربة. فالقضية ليست بقاء شخص في منصب أو تمديد مأمورية، وإنما ما تحتاجه «الألكسو» في مرحلة تتسارع فيها تحولات التعليم والمعرفة، ويعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل المستقبل، فيما تواجه اللغة العربية تحدي ترسيخ حضورها في العالم الرقمي.
وفي مثل هذه المرحلة، تكتسب الخبرة والرؤية والاستمرارية أهمية خاصة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمشاريع استراتيجية لا تُنجز في سنوات قليلة. وبين ما تحقق وما ينتظر المنظمة من رهانات، تبدو الحاجة قائمة إلى البناء على الحصيلة وتوسيع أثر المبادرات التي بدأت.
ومن هذا المنطلق، فإن مواصلة محمد ولد أعمر لمسيرته على رأس «الألكسو»، إذا ما جددت الدول العربية ثقتها فيه، يمكن أن تمثل فرصة لاستكمال مسار تحديث العمل العربي في مجالات التربية والثقافة والعلوم، وتعزيز حضوره في عالم الرقمنة والذكاء الاصطناعي.
فالمستقبل العربي لا يحتاج إلى مؤسسات تراقب التحولات من بعيد، بل إلى مؤسسات تشارك في صناعتها؛ ولا إلى الاكتفاء بحفظ الإرث، بل إلى القدرة على حمله إلى المستقبل. وما تحقق حتى الآن ليس نهاية الطريق، بل رصيداً يمكن البناء عليه لمواصلة مشروع أكبر: بناء وعي عربي أكثر معرفة، وتعليم أكثر استعداداً للمستقبل، ولغة أكثر حضوراً في عالم التكنولوجيا.
