يمرر غرفة البرلمان الموريتاني كل ما تريده الحكومات تماما كما يمرر أي منا أصبعه على الشاشة دون مبالاة، وآخر تلك التمريرات قرضاخارجيا بملايين العملات الصعبة دون تفكير ولا نقاشاجتماعي، لا يهم ففي النهاية هم ليسوا معنيين بسدادها. هذه القروض التي تثقل كاهل الميزانية السنوية للبلد عبر تسديد الأقساط (les échéances) تؤخذ مرة تلو أخرى بذرائع التنمية، فهل حقا تحققت التنمية أو على الأقل أُخذ مسارها؟
صادق البرلمان مؤخرا على اتفاقية قرض إسباني بقيمة 50 مليون يورو، مخصصة لدعم وتنمية حوض نهر السنغال؛ أو ما يعرف بـ شمامة، التي يفترض بها أن تكون سلة غذاء البلد قبل أن تصبح أرض الفرص الضائعة، وهي فرصة يتمناها كثيرون من حولنا.
قرض ضخم، يساوي بالأوقية الموريتانية الهشة أزيد من ملياري أوقية جديدة، أُعلن أن هدفه هو تعزيز الصمود والتنمية. لكن سؤالاً ملحاً سرعان ما يتراقص بإلحاح في ذهن أي متتبع لأسعار الطماطم وأخواتها من الخضروات، هو: هل ستجد هذه الملايين طريقها الفعلي إلى التربة لتنبت سنابل ومشاريع مدرة للدخل، أم إلى القطع الأرضية التي تنبت فِللاً في إسبانيا والمغرب وتركيا؟
تُعزى أزمة البطالة المتفاقمة في صفوف الشباب الموريتانيين عموما إلى جملة من الأسباب، على رأس قائمتها انتظار الوظيفة العمومية كأفق أوحد للتوظيف، وغياب شبه مطلق لما يعرف بالتشغيل الذاتي القائم على المبادرة والعمل في مجالات الإنتاج، وهذه سياسات عقيمة لا تزال الدولة عاجزة عن تجاوزها، رغم بعض المحاولات التي أثبتت فشلها خلال السنوات السبع الفائتة.
بإمكان هذه الـ 50 مليون يورو لو سلمت من "لفراقشية" أن تشيد بنية تحتية زراعية ضخمة تؤمن للبلد استقلالا غذائيا وعملة صعبة من خلال التصدير، يكفي فقط أن نستجلب التكنولوجيا التي تنتجها عقول مجتمعات تحررت من رقيب العموم، على الأقل يجب أن ننتج ما نأكله.
وفي هذا المنحى يتجسد الرهان الحقيقي في تحويل هذا القرض وغيره إلى رافعة للتشغيل الذاتي في القطاع الزراعي من خلال: صناديق تمويل للمزارعين التقليديين، وأن لا نستمر في الانجرار وراء زراعة الشركات. فالفعالية الحقيقية تكمن في تطوير النمط التقليدي الذي يوائم طبيعة مجتمعنا وأن نعيد المجتمع إلى الفلاحة الذاتية، فقط نوفر التكنولوجيا والأدوات، ونخلق أوعية ضريبية مفيدة للبلد والمجتمع معا.
لا يشكل نهج تمويل الزراعة الذاتية مخرجا وحيدا من التبعية الغذائية للخارج والارتهان له في ما نأكله يوميا، إنما يتجاوزه نحو تشغيل الطاقات الهائلة في مجتمعنا الشاب، وإصلاح المجتمع عبر إعطاء قيمة لمن يعمل وأملا في الترقي الاجتماعي مثلما هو حاصل في بلدان أخرى، فقيمة من يفلح الأرض ليطعم الناس يجب أن تكون عالية، لا مَعَرّة وعيبا كما هو الحال في مجتمعنا.
